ابن المقفع
271
آثار ابن المقفع
عينا . فبعثت أشراف المدينة إلى الغلام فجاؤوا به وسألوه عن حاله وما أقدمه إلى مدينتهم . فقال : انا ابن ملك فويران ، وإنه لما مات والدي غلبني أخي على الملك ، وقد كان أبي عهد اليّ به ، فغصبني إياه فهربت من يده حذرا على نفسي حتى انتهيت إلى هذه الغابة . فلما ذكر الغلام من امره ما ذكر عرفه بعض من كان يغشى بلاد أبيه منهم وأثنوا على أبيه خيرا . ثم إن الاشراف اختاروا الغلام ان يملكوه عليهم ورضوا به . وكان لأهل تلك المدينة سنة إذا ملكوا عليهم ملكا حملوه على فيل ابيض وطافوا به حول المدينة . فلما فعلوا به ذلك مرّ بباب المدينة فرأى الكتابة على الباب فأمر ان يكتب : ان الاجتهاد والجمال والعقل وما أصاب الإنسان في هذه الدنيا من خير أو شر إنما هو بقضاء وقدر من اللّه عز وجل ، وقد اعتبر ذلك بما ساق اللّه إليه من الكرامة والخير . ثم انطلق إلى مجلسه فجلس على سرير ملكه وأرسل إلى أصحابه الذين كان معهم فأحضرهم فأشرك صاحب العقل مع الوزراء ، وضمّ صاحب الاجتهاد إلى أصحاب الزرع ، وولى صاحب الجمال إحدى مصالحه . ثم جمع علماء ارضه وذوي الرأي منهم وقال لهم : اما أصحابي فقد تيقنوا ان الذي رزقهم اللّه سبحانه وتعالى من الخير انما هو بقضاء اللّه وقدره . وانما أحب ان تعلموا ذلك وتستيقنوه ، فإن الذي منحني اللّه وهيأه لي انما كان بقدر ، ولم يكن بجمال ولا عقل ولا اجتهاد . وما كنت أرجو إذ طردني أخي ان يصيبني ما يعيشني من القوت فضلا عن أن أصيب هذه المنزلة ، وما كنت اؤمل ان أكون بها لأني قد رأيت في هذه الأرض من هو أفضل مني حسنا وجمالا ، وأشد اجتهادا وأحزم رأيا ، فساقني القضاء إلى أن اعتززت بقدر من اللّه . وكان في ذلك الجمع شيخ فنهض حتى استوى قائما وقال : إنك قد